الشيخ أحمد فريد المزيدي
340
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
والنسيان موارد الأموات ، وغمرتهم كثرة العلل والآفات ، واتصلت بأبصارهم وقلوبهم فتنة ما أعد أبناء الدنيا لأنفسهم ، وآثروه على أمور آخرتهم ، من بهجة رونقها ، ونضرة زينتها ، ولوعة زهرتها . واعلم أيها الباحث عن واجب العلم وشرفه ، والطالب للمصافاة بخالص الأعمال لسيده ، أن أقدام القوم عن مناهج الحقيقة انحرفت ، وأن قلوبهم على صحيح الإرادات ما استوت ، وأنهم مالوا بخفي ما في النفوس على جميل ما أظهروه ، وإلى محبة علم الخلق به وتعظيمهم عليه وإجلالهم من أجله . وأحبوا اجتماع الخلق عليهم ، وإشارتهم إليهم ، حتى تصوب آراؤهم ، وتصدق أقوالهم ، وتكبر غايتهم ، ويتصل الثناء لهم ، وإن قصر الخلق في شيء من ذلك عنهم كرهوا ، وإن لم يقع لهم ما يحبون غضبوا ، ولا تسل عن فرط الغضب منهم ، والرضا والتعتب منهم على من خالف مواقع الهوى . ووصفهم بكل ما هم فيه يطول به الشرح ، ويطول به الكلام ، وقد شرحت لك من وصفهم ما انبسط به لساني ، وأجري لك من نعتي وبياني ، وفي ذلك كفاية . فالبس الآن أنت جلابيب الحذر ، وتدرع بأدرع الخوف ، وخذ على نفسك جنة التقوى ، وقم للّه تعالى على نفسك بدوام الرعاية ، ودوام التفتيش ، وشدة المحاسبة ، وجودة التحصيل ، وصدق البحث ، وصل سرك مع ذلك بدوام الذكر وقوي الفكر . فكن ممن جاهد في اللّه عز وجل حق جهاده ، وممن أثنى اللّه تعالى عليه من صالحي عباده ، مع ما يقع لك من الوعد الجميل والثواب الجزيل . قال اللّه تعالى عز وجلّ : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] ، وقال اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [ النساء : 66 ] . فهاتان آيتان موجبتان لمنالات الخير ، ووقوع الهداية والرشد فخذ بحظك الأوفر من العمل بهما ، واللزوم لما أمر اللّه تعالى فيهما . وكن على حذر من موافقة شيء مما تقدم به النعت ، من ذلك التأويل وخطأ الرأي ، فإن ذلك مؤد إلى إحباط العمل وشدة الندامة في المنقلب . قال له العالم : أيها الحكيم ، قد أتيت على الذي في نفسي ، وبلغت مدى ما كان يجول في صدري ، وزدت على ذلك من الوصف أشياء عرفت فضلها ، وانكشف لي صواب